شكيب أرسلان

250

الرحلة الحجازية ( الارتسامات اللطاف في خاطر الحاج إلى أقدس مطاف )

قلت : أما أنّ الطائف قديمة جاهلية فمما لا شكّ فيه ، وقال في « صبح الأعشى » : إنّها كانت قديما للعمالقة ، ثم نزلتها ثمود ، قبل وادي القرى ، ويقال : إنّه نزلها عدوان بعد العماليق ، وغلبتهم عليها ثقيف ، فهي الآن دارهم . وأما الدباغ فليس له أثر اليوم فيما رأيت . وأما برد ( بالتحريك ) فالذي سمعته من أهل الطائف أنّه اسم الجبل الذي في غربي الطائف ، بعيد عنها نحو ثلاث إلى أربع ساعات ، وهو أعلى جبل هناك ، ومن أسفله يأتي ماء المثناة ، ومنه يسيل وادي وجّ ، ولا ينافيه قول الهمداني : إنّه واد ، فإنّ الجبل لا يكون بلا واد ، والوادي لا يتصوّر وجوده بلا جبل ، فقد يكون اسم برد للجبل والوادي معا ، وهذا الجبل شديد البرد ، ومنه اسمه برد الدال على برده ، إلا أنّه لا ينزل عليه الثلج في الشتاء مثل جبال الشام ، وإنما ينزل البرد - محركة - هو حبّ الغمام ، ويتجمّد فيه الماء . والجبال في جزيرة العرب وإن أنافت على جبال الشام في الارتفاع ، فإنّها لوقوعها في المنطقة الحارة ، لا ينزل عليها الثلج مثل جبالنا ، فلهذا لا تجد في الجزيرة الأنهار الكبار التي تجدها في الأراضي الضاربة في الشمال « 1 » . إنّ الهمداني يستعمل الخبّة بالكسر بمعنى المنطقة ، ولعله أخذها من قولهم الخبة - مثلثة - طريقة من رمل أو سحاب ، والخبة من الثوب شبه الطرة ، وقيل شبه طية من الثوب مستطيلة . وقد ورد في كتب اللغة اسم « برد » و « بردى » و « برديا » لأماكن كثيرة من أنهار وغدران وجبال وغيرها ، وقيل إنّ برد - وضبطها البكري بكسر

--> ( 1 ) يقول بعض علماء الإفرنج : إنّه كان فيها أنهار عظيمة وعمران عظيم قبل عصر التاريخ ، ويدلّ على ذلك وجود الأودية العميقة .